مواجهة الخوف

الحمدلله الوضع رائع ولكن..

30 يوليو 2019 | 12:00 مساءً

دروس تعلمتها من ريادة الأعمال

بقلم رفاه سحاب


قبل قُرابة العامين تركت وظيفتي الجامعية وتفرغت بشكل كامل للعمل على مشروع حجرة. ورقة. مقص ولتأسيس مشروع ”شرفة“ والذي يُعتبر الأخ الأصغر لحجرة. ورقة. مقص. ومنذ ذلك الحين الكثير من الأصدقاء والأهل يسألونني دائمًا: كيف هي الحياة كرائدة أعمال؟ وفي الغالب يصلني شُعور بأن الإجابة المُتوقعة هي إجابة مُقتضبة فيها شيء من التبسيط والرومانسية فالكثير يريد المعرفة بالمُختصر هل القرار الذي اتخذته كان جيدًا وحققّ لي الحياة ”الرائعة“ التي يحلم بها نصف جيلي القابع في وظائف مملة أم أنه قرار خاطئ جعلني ” نادمة“ وأن تجربتي هي مثال حي لصدق تنبؤات ومخاوف الأهل والمجتمع. 

في الغالب أقوم برحابة صدر بمطابقة توقعاتهم وأقوم بإعطائهم الإجابة المقتضبة التي يرغبون فيها وأكتفي بترديد الحمد لله أكثر من رائع. لكن أعود فأشعر بالخوف والقليل من الذنب بأني أقوم من خلال هذا الرد في المساهمة في تغذية الصورة الوردية لريادة الأعمال والتي لا تمت للواقع بأي صلة. نعم لا أشعر بأي ندم على ترك وظيفتي المُستقرة. ونعم لا أرغب بالعودة للوراء وتغيير قراري. لكن في الحقيقة، ريادة الأعمال رحلة صعبة للغاية. والحياة التي تختارها لنفسك عندما تُقرر أن تبدأ مشروع تجاري، هي حياة ليست سهلة ولا تعطيك الحُرية التي يدندن بها الكثيرون. في المقابل هذه الرحلة تُهذبك، وتُعلمك، وتصنع منك وبداخلك الكثير من المفاهيم الغير اعتيادية والتي لا يُمكن لك أن تحصل عليها في منطقة راحتك في مكتبك في الشركة التي تعمل فيها. هذه الرحلة لها جوانب روحانية جميلة تتحداك وتختبرك وتُمحصك في كل خطوة تُقدم عليها. إليكم بعض الدروس التي تعلمتها خلال الأربع سنوات الماضية: 

(١)

تعلمت أن أربط نفسي بالعملية وبالرحلة، استثمر مشاعري في عملية الإنتاج والإبداع، أقع في حُبها، أطارد دهشة التعلم، ولا أفكر في النتيجة. النتيجة قد تصل متأخرة، فهي لا تحترم جدولك وخُطتك في العادة. النتيجة قد تكون إحباطًا عظيمًا، قد لا يحبها الجمهور. قد تكون أقل من التوقعات. 

وفي المقابل، العملية والسعي دائمًا يعطونني الحُب مقابل حُبي، والسعي دائمًا يكون كريمًا معي، يمنحني فرصة مقابلة أناس رائعين وشغوفين ومُثيرين للإهتمام، يهبني دروسًا ثمينة، ويجبرني كأم حنونة على التعلم والنضج في حياتي الخاصة والمهنية. 

اعتراف: هذا من أصعب الدروس وما زلت أدرّب نفسي عليه.

(٢)

ريادة الأعمال دربتني على مواجهة الخوف كل يوم، وعلى التسامح معه ومصادقته. 

بدأت مشروعي بالإنتصار على الخوف؛ الخوف من الفشل، الخوف من رأي أهلي، الخوف من رأي نفسي، الخوف من الملل، الخوف من الإختيار الخاطئ، الخوف من أن تأكل المثالية نصف الحُلم وترميه أعرجًا لا يمكن له الاستمرار، الخوف من المجهول، الخوف من شفقة الناس عندما أفشل، الخوف من الكلام الذي لا يُمكن للمقربين مني الإعتراف به عندما أخطئ. 

الخوف مخلوق ضخم يُمكن أن يجد له مكان في كل قرار صعب. وما تعلمته من ريادة الأعمال هي أن الخوف لا يتوقف عن زيارتك بمجرد بدئك للمشروع، وإنما يزورك بشكل شبه يومي لذلك عليك أن تصاحبه، أن تفتح له الباب بدل من أن تضيع طاقتك في محاولات طرده. أن تكون لطيفًا معه دون أن تمنحه حق السيطرة على حياتك

(٣)

الكرم هو أعظم استثمار يُمكن أن تضعه في مشروعك. مالك وريالاتك تبدأ المشروع، ولكن الكرم يُضاعفه. الكرم بالمعلومات، الكرم بالأفكار، الكرم بتقديم الدعم للآخرين، الكرم بالوقت، مشاركة الربح مع فريقك وعائلتك والعالم من حولك. ستجد الكثيرين يُحذرونك من مشاركة أفكارك ومن كشف أسرار عملك، من تقديمها بلا مقابل. وستجد آخرين يدفعونك بكرمهم على إعطاء المزيد، يقدمون لك الدعم دون أن تطلبه، يُخبرونك عن الإحتمالات والإمكانيات التي قد تكون غافلاً عنها، يصفقون لإنجازك ويفرحون به، يبثونك بالكثير من الإيجابية عندما يكون وقودك شارف على الإنتهاء. رائد الأعمال يعمل ليحل مُشكلة، أو يُخفف ألمًا، أو يحسن حياة الآخرين. رائد الأعمال لا يعمل فقط من أجل أن يجني المال؛ لذلك رواد الأعمال كُرماء بطبيعتهم، كُرماء في رسالتهم وفي مجالاتهم، يفكّرون دائمًا كيف يُمكن أن أجعل إبداعي في متناول الجميع، وليس في متناول الأقلية التي تملك سعر منتجي!

(٤)

يُصورّ الإعلام لنا رواد الأعمال بأنهم يعيشون أيامهم كمغامرة مثيرة للإهتمام طوال الوقت. في الحقيقة ريادة الأعمال مغامرة لكنها ليست مثيرة طوال الوقت. ما تعلمته من عملي في حجرة. ورقة. مقص أنه علي أن أتسامح مع الملل والبطء على أنهما جزء لا يتجزأ من طبيعة بناء أي مشروع. الردود على إيميلات رسمية، النظر في حسابات مفصلة ودقيقة، المتابعة مع شُركاء نجاح مشغولين مثلك وأكثر منك، البدء منذ البداية (من نقطة الصفر أحيانًا) عندما تكتشف بأن المصنع الذي تتعامل معه لم يفهم ما قصدت، أو عندما تكتشف بأن المنتج الذي بحثت فيه وطورته وأصبحت عاطفيًا مرتبط به لا يصلح للسوق ولا يحبه العميل. والأصعب من ذلك كله ملل وقلق الانتظار؛ انتظار شُحنة، انتظار شيك، انتظار نتيجة معمل، انتظار رد، انتظار موافقة، انتظار بنك..إلخ. تُصبح بعد فترة جيدًا في ملء الفراغات، في الزحف لهدفك بدلاً من الركض، في العمل على المساحات المُهملة، في الإستمرار ببطء. 

البطء ما زال عدويّ، وما زلت أكرهه، لكن هذه الرحلة تُعلمني كل يوم أن أرحب به في حياتي. أن أعطيه الفرصة أن يجلس بجانبي، أن التقط أنفاسي وأن لا أصاب بهلع عندما يكون عقلي سريعًا إلى الحد الذي لا يُمكنني الإمساك به في حين أن عالمي في المكتب يسير ببطء سلحفاة كبيرة في السن. 

(٥)

لا يُمكن أن يكون المال هو دافعك للعمل على مشروع ريادي. لأنه سيتحول من دافع إلى وحش يُقلقك ويُخيف إبداعك. سيخاف إبداعك من خسارة المال والفشل وسيهرب منك. لن تتمكن من أن تُقدّم كل ما لديك من إبداع لأنك ستتوقف عن سؤال نفسك كيف يُمكنني أن أجعل منتجي أكثر فائدة وإبداع؟! وسيكون هاجسك الوحيد كيف يمكنني أن أجعل منتجي أكثر ربحًا؟ 

إذا كان المال هدفك الوحيد فلربما عليك إعادة النظر في قرارك ودراسة خيارات أخرى بدلاً من ريادة الأعمال كإحضار وكالة شركة ناجحة عالمية، أو الاستثمار في شركة ناجحة وكبيرة. 

لكن في الوقت ذاته، لا يُمكن أن تبدأ هذه الرحلة وأنت زاهد بشكل كُلي عن المال، أو أنت مُستهتر به. ريادة الأعمال علمتني كيف أتعامل مع المال كوسيلة وليس غاية، كأداة للاستمرار في العطاء ولتقديم ما أؤمن به للعالم. هذه الأداة يجب عليك أن تُحسن إدارتها وتهتم بها بشكل جيد وذكي حتى لا تفقدها في مُنتصف الرحلة، فتحرم نفسك والعالم من حولك من ابتكار مُنتجات جديدة ومفيدة. 

 أود أن أختم هذا المقال بالتأكيد على أن هدف هذا المقال ليس التحريض والحث على الخوض في مُغامرة ريادة الأعمال، وليس أيضًا التثبيط والتخويف منها. الهدف من هذا المقال هو تقديم الصورة ثلاثية الأبعاد لهذه الرحلة: صورة تعكس تعقيدات هذه الرحلة وبركاتها. كما أتمنى أن لا يكون المقال من غير قصد يُعطي إيحاء بأن العمل في وظيفة هو خيار أقل جاذبية. القرار بالاستمرار في العمل ضمن منظومة حكومية أو خاصة هو قرار أكن له كل الإحترام والتقدير. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

تعليقان

مدونات مشابهة

ليش لازم تبدأ حتى لو ما كنت جاهز؟

20 أكتوبر 2019 | 02:30 مساءً

#فلوس_سعيدة

20 سبتمبر 2019 | 10:00 صباحًا

كيف يبدو الفن في استيديو مجد؟

20 أغسطس 2019 | 11:00 صباحًا

من يستحقّ اللقب؟

17 أغسطس 2019 | 10:00 صباحًا

الحمدلله الوضع رائع ولكن..

30 يوليو 2019 | 12:00 مساءً