تصنيف عام

من يستحقّ اللقب؟

17 أغسطس 2019 | 10:00 صباحًا

بقلم هند الثبيتي

ما كنت لأرى ما أرى، ولا كان ليراني من رأى لولا أنني إنسان آكل وأشرب وأنام. لولا أنني إنسان، لما كنت فيضًا من التساؤل ولا بحرًا من الألغاز! أسأل نفسي لماذا أخاف؟ ولم أسألها لمَ لا أخاف؟ فالخوف يجعلني إنسان. فـ الإنسان الفنان مع هذا الخوف يبدع، يصنع، ويلمع. لا تُختصر الشجاعة في عدم الخوف، ولكنها القدرة على التعبير الصادق مع وجوده. مرحبًا بكم أيها الشجعان، آمل ان يجدكم هذا المقال على خير.

من يستحق اللقب؟ ومن هو الفنان؟ 

موضوع الساعة وكل ساعة 

هل أنا فنان؟ طيب لو كنت فنان، أكتبها؟ أو يجب أن أحصل على شهادة أو موافقة وقبول من فنان معروف؟ هل يجب أن يكون لدي جمهور ومتابعين حتى أكون فنان؟

الهدف من هذا المقال أن أخبرك قصتي مع اللقب و ما أعتقده حول اللقب ولك حرية القبول والرفض.

 أنا أقول “أنت فنان ما دمت استطعت أن تقولها أو تكتبها عن نفسك” 

الفن واسع وعميق ومتنوع، الفن قدرة الخالق الرائعة في جعل الإنسان يعبّر ويتفنن بكل أشكال الإبداع التي تعترف أو لا تعترف بها، و ما أعتقده أن هذه الأنواع من التعبير والإبداع هي طريقة البشر الطبيعية في التعافي والتفريغ. قد ترسم لتشعر بشعور جيد، وتصوّر لأنك سعيد، وتكتب ما في نفسك من كلمات لا تخرج بالصوت.

الآن سأشرح لك كيف قام البشر بتحديد أنواع هذه الفطرة السليمة المعطاءة وخصّصوها بالبعض دون الآخر و وضعوا شروطها، و اسمحلي أن أحدد الفئة التي تضع الشروط وهم من ميراثنا البشري من آلاف السنين [لا أقصد فئة أو أشخاص بعينهم] فـ هذه الفئة هي عبارة عن المتكبرون أو الكسالى.

إما أن يكون شخص حصل على هذا الإبداع ولا يريد لغير فنه ونوعه اللقب، أو شخص يتمنى أن يحصل عليه ويضع عذرًا حتى لا يحاول فيقول: لا أجيد هذا الفن إذًا لست فنان، فيثور كلاهما ضد أي فكر يتحدى المنطق بالنسبة لهم ويكشف حقيقتهم المتكبرة أو الكسولة.

إذا كنت تراني قاسية في تعريفهم وكشف أساليبهم، قد يفيد سماع بعض القصص التي تصلني يوميًا عن أشخاص يُهاجمون من يحاول أن يعبر عن نفسه بأشكال من التنمر والإنتقاص في أسلوبه ومرحلته، حتى أن البعض يترك الفن والتعبير لمدة سنوات طويلة تحت هذا الضغط؛ لذلك أنا أعلم أن أهم صفاتك يا فنان هي الشجاعة.

فأي شخص يعبّر بحرية خارج هذه الأفكار يجد طعم وحلاوة هذا الإبداع، غير أن هذه الأحكام تلاحقه لتسلبه ثقته بنفسه، ولعلها تجعله يعتقد أنه لم يستحقها بعد. أعطيكم مثالًَا من التاريخ، وهو ظهور ثورة الفنون الحديثة و المدرسة التأثيرية تحديدًا، عندما ظهر فنّانوها حصلوا على رفض واسع وقاسي جدًا من قبل الزمرة المتكبرة التي تصنع الفن بمقاييس محددة، والفئة الكسولة التي لا تريد التجربة فهم أما مقلدون أو بعيدون عن الفن وتجربته الجريئة.

لذلك أنا أقول: “أنت فنان ما دمت استطعت أن تقولها أو تكتبها عن نفسك”

نهاية القصة السعيدة أن الفن التأثيري تم الإعتراف به بعد سنوات وأصبح يعلّق في المعارض إلى جانب الفن الكلاسيكي. في الفترة التي كان من لا يرسم الواقعية فيها ليس فنان ويرفض ولا يجد لقمة العيش، نجح الفن التأثيري لأن الفنانين المؤسسين كانوا موجودين واستمروا واعترفوا لأنفسهم بأنهم فنانين ، فـ إذا كان الفنانين الذين ابتكروا مرحلة جديدة من الإبداع الإنساني باللون رُفضوا من الدائرة، أنا اسألك: هل هم فنانين؟

نعم هم فنانون، ولكن من أعطاهم اللقب؟ هم 

من يتشجع ويعطي نفسه اللقب سيستحقه؛ لأن تقييم الأشخاص متغير ولا يعد شيئًا بجانب تقييمك لذاتك وروحك المبدعة. فـ إذا كنت تريد أن تبدع.. أبدع، ولا تنتظر من يعطيك اللقب سيطول انتظارك. أنا أعدك. 

الآن لعله الوقت المناسب لأخبرك قصتي مع اللقب، واعذرني إن استخدمت بعضًا من العامية.

كنت طوال عمري أنتظر اللقب، عندما كنت أرسم رسم واقعي، كل مرة كانت تأتيني تعليقات لعيوب في الرسمة، وعندما أتقنته قلت: لو كانت لوحة ستكون أفضل من الورق. فـ بدأت في اللوحات، فأتاني تعليق آخر يخبرني بأني لابد أن أشارك في معرض حقيقي حتى أكون فنانة. شاركت ولكن احزروا ماذا يقول التعليق الآن؟! يقول أنتِ صغيرة، ولا تمتلكي خبرة كافية وليس لديك سيرة طويلة ولا قائمة بالفنانين الذين يعرفونك.

حينها عقلي قال لي: توقفي، لن يقول لكِ أحد أنك فنانة. أذكر أني في ذات اللحظة قررت فتح حسابي على Instagram ليكون عامًا؛ لأبدأ بوضع صور للوحاتي. أول منشور وضعت تحته تعليق ليذكرني بذلك اليوم “day1 crossing fingers”. 

أذكر أنني كنت مليئة بالشك وأنا أحاضر في الفنون ولم أعطي نفسي اللقب حتى ذلك اليوم.

 المضحك الآن أنني عندما أتذكر الإنسانة التي كانت تعيش قبل ذلك المنشور، أدرك أنني لم أكن أعرفها. كانت رسامة، لكن لم تكن فنانة! أنا متأكدة من ذلك. للأمانة كنت أتعب في إيجاد أفكار لـ اللوحات في مرحلة [الرسامة] أكثر.

لعل الشك والتردد يقتل سلاسة التفكير ووضوع الرؤية، فـ بعد وصول عدد المتابعين لألف متابع جاءني اتصال من مجلة ديستنيشن جدة: ” ألو.. إنتِ الفنانه هند الثبيتي؟ نبى نكتب عنك مقالة ونصور مرسمك”. وفي الحقيقة، مرسمي في ذلك الوقت كان عبارة عن طاولة في غرفة صغيرة، ولكنه مليءٌ بإيمان الذات، وتسكنه فتاة لطالما أرادت أن تقول أنا فنانة!

طبعًا إلى الآن أنا أذكّر نفسي أني عندما أعطيت نفسي اللقب، أعطيت نفسي معه مسؤولية. فأنا ألتزم بتمارين وقراءات في الإبداع والفن كي أتوسع في كل يوم أكون فيه على هذا الكوكب، وأنا أقول أنه من الصحي لك أن تفعل نفس الشيء. لعلي أحاول دائمًا أن أنشر هذا الإيمان العميق بالنفس وبالإبداع الموجود فينا جميعًا، فهناك الكاتب والمؤلف والرسام والطباخ والباحث الجيد والحكواتي الرهيب.

الإبداع يتوقف في بداية إطلاق الأحكام وقبول هذه الأحكام والتسميات على ما نصنع.

وفي النهاية: اختر لقبك حتى لو ماكان فنان!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

4 تعليقات

  1. ريم العمودي قال:

    مقال جميل ومعبر يحسسك بالامل والتفاؤل ،دايم الي يكتب من تجربه يكون لكلماته اثر ومعنى ..اتمنى لك التوفيق

  2. دارين قال:

    ما أجمل هذه الكلمات .. تراصت وعبرت عنك بكل واقعية وبطريقة تلامس القلب ..أتوقع أغلب الفنانين مروا بهذه المرحلة ومروا بهذا التساؤل..لا أنكر إنه لازال يروداني إلى الان .. مقالتك توضح الكثير بالقليل ..واتفق مع رأيك ..كلنا فنانين إذا اردنا ذلك ..المهم أن تكون أنت مقتنع بذلك وسيسهل مواجهه المشككين بعدها.. دمتي مبدعة ا. هند

مدونات مشابهة

ليش لازم تبدأ حتى لو ما كنت جاهز؟

20 أكتوبر 2019 | 02:30 مساءً

#فلوس_سعيدة

20 سبتمبر 2019 | 10:00 صباحًا

كيف يبدو الفن في استيديو مجد؟

20 أغسطس 2019 | 11:00 صباحًا

من يستحقّ اللقب؟

17 أغسطس 2019 | 10:00 صباحًا

الحمدلله الوضع رائع ولكن..

30 يوليو 2019 | 12:00 مساءً